باكو وWUF13: المدن المستدامة ونموذج التحضر المبتكر

الحضري العالمي التابع للأمم المتحدة (WUF13)، ويُعد هذا المنتدى من أبرز المنصات الدولية في مجالات التحضر والتخطيط الحضري والتنمية المستدامة. وينظم هذا الحدث برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (UN-Habitat)، ويُعقد مرة كل عامين، حيث يجمع آلاف المشاركين من مختلف دول العالم. ويُعد اختيار باكو لاستضافة المنتدى عام 2026 دليلًا واضحًا على تنامي مكانة أذربيجان الدولية ومشاركتها الفاعلة في المبادرات العالمية. كما سيدخل هذا الحدث التاريخ بوصفه أول منتدى من هذا المستوى الدولي يُقام في العالم التركي.

وسيركز المنتدى في إطار WUF13 على شعار: «مساكن للجميع: مدن ومجتمعات آمنة ومستدامة». وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة في ظل التوسع الحضري المتسارع الذي يشهده العالم اليوم. فالملايين من الناس يعيشون في ظروف سكنية غير ملائمة، بينما تتفاقم مشكلات التفاوت الاجتماعي، ونقص المساكن، والتحديات البيئية في المدن بشكل متزايد. ويهدف المنتدى إلى إيجاد حلول لهذه التحديات، وطرح رؤى مبتكرة، وتعزيز تبادل الخبرات بين الدول.
ولم يكن اختيار باكو لاستضافة هذا الحدث المرموق أمرًا عشوائيًا. فقد شهدت المدينة خلال السنوات الأخيرة تطورًا سريعًا، وتحولت إلى مدينة عصرية ذات بنية تحتية حديثة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على تراثها التاريخي. كما أن مشاريع التحديث والتجميل واسعة النطاق، وتطوير أنظمة النقل، وتطبيق مفاهيم «المدينة الذكية» و«القرية الذكية»، جعلت من باكو أحد أبرز المراكز العمرانية في المنطقة. ومن هذا المنطلق، سيشكل WUF13 أيضًا منصة مهمة لعرض إنجازات أذربيجان في مجال التخطيط الحضري أمام العالم.
وفي هذا السياق، تجدر الإشارة بشكل خاص إلى القرار الذي أصدره إلهام علييف بإعلان عام 2026 «عام التخطيط العمراني والعمارة» في جمهورية أذربيجان. ويعكس هذا القرار الأهمية الكبيرة التي توليها الدولة لمجال التخطيط الحضري والهندسة المعمارية، كما ينسجم منطقيًا مع استضافة حدث عالمي بحجم WUF13.
ومن المقرر تنفيذ عدد من المشاريع الكبرى في إطار هذا العام، من بينها إعداد مخططات عمرانية جديدة، وتسريع مشاريع البنية التحتية في المناطق المختلفة، وبناء مجمعات سكنية حديثة، وتحسين البيئة الحضرية بشكل أكبر. وتُعد أعمال إعادة الإعمار والتأهيل في المناطق المحررة من الاحتلال من أبرز الأمثلة على هذه السياسة. ففي تلك المناطق يتم تطبيق مفاهيم «المدن الذكية» و«الطاقة الخضراء»، ما يعكس النهج الابتكاري الذي تتبناه أذربيجان.
وفي نفس الوقت ، يُعد توسيع التعاون الدولي من الأولويات الرئيسية ضمن «عام التخطيط العمراني والعمارة». إذ سيسهم استقطاب الخبراء الأجانب، وتنظيم المنتديات والمعارض الدولية، وتبادل الخبرات، في تعزيز إمكانات البلاد في هذا المجال. وسيكون WUF13 بمثابة ذروة هذه الجهود، حيث سيحوّل أذربيجان إلى مركز عالمي للنقاشات المتعلقة بالتخطيط الحضري والتنمية المستدامة.
إن المنتدى الحضري العالمي الثالث عشر (WUF13) الذي سيُعقد في باكو لا يُعد مجرد منصة عالمية للحوار حول قضايا التحضر والتنمية المستدامة، بل يمثل أيضًا حدثًا مهمًا لتوسيع علاقات أذربيجان مع المجتمع الدولي. وفي هذا السياق، تكتسب الأنشطة الترويجية التي تقوم بها الجاليات الأذربيجانية في الخارج أهمية خاصة. ومن هذا المنطلق، تلعب منظمات الجالية الأذربيجانية دورًا فاعلًا في التعريف بمنتدى WUF13 على المستوى الدولي.
وتعمل المؤسسات التابعة للجاليات الأذربيجانية في مختلف الدول على إبراز أهمية استضافة باكو لهذا المنتدى المرموق من خلال المؤتمرات والندوات والمعارض والنقاشات العامة التي تنظمها. وخلال هذه الفعاليات، يتم التركيز على الشعار الرئيسي للمنتدى: «مساكن للجميع: مدن ومجتمعات آمنة ومستدامة»، إلى جانب عرض المشاريع والمبادرات التي تنفذها أذربيجان في هذا المجال أمام جمهور واسع.
ومن خلال المواد الإعلامية المعدّة بلغات متعددة، والفيديوهات الترويجية، والمقالات التحليلية، يتم إيصال أهداف المنتدى وأهميته إلى شرائح واسعة من المجتمع الدولي. وتسهم هذه الجهود في توسيع النطاق الجغرافي للمشاركين في المنتدى، وتهيئة الظروف الملائمة لاستقطاب الخبراء والمتخصصين من مختلف أنحاء العالم.
ولا يقتصر دور الجاليات على الترويج الإعلامي فحسب، بل يمتد أيضًا إلى الإسهام في بناء شراكات دولية جديدة. فإقامة العلاقات مع المنظمات غير الحكومية الأجنبية، ومراكز الأبحاث، والمؤسسات المتخصصة في التخطيط الحضري، تفتح آفاقًا جديدة للتعاون ضمن إطار المنتدى. وبهذا المعنى، تؤدي منظمات الجاليات دور «الجسر» الذي يعزز الروابط بين أذربيجان والمجتمع الدولي.
ويجمع WUF13 مختلف الجهات المعنية، مما يخلق فرصًا واسعة للتعاون بين ممثلي الدول والحكومات، والأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى، والمؤسسات الأكاديمية والبحثية، والقطاع الخاص، ومنظمات المجتمع المدني، إضافة إلى فئة الشباب. ومن خلال هذه المنصة، يتم تشكيل رؤية مشتركة حول مستقبل المدن ومناقشة حلول عملية للتحديات الحضرية.
كما أن مشاركة المنظمات غير الحكومية الأجنبية في إطار WUF13 ستسهم في تعزيز البعد الدولي للمنتدى. فوجود هذه المنظمات لا يعزز فقط أهمية المنتدى على المستوى العالمي، بل يقوي أيضًا علاقات التعاون الدولي لأذربيجان. وفي هذا السياق، تم الإعلان عن أن المبادرات الدولية المرتبطة بـWUF13 قد حُددت كأحد الاتجاهات ذات الأولوية ضمن مسابقات المنح لعام 2026 التي تنظمها وكالة دعم الدولة للمنظمات غير الحكومية في جمهورية أذربيجان. ومن المنتظر أن تلعب المنظمات غير الحكومية الأذربيجانية دورًا نشطًا في تنظيم المنتدى واستقطاب المشاركين.
وقد انطلقت بالفعل «أسبوع باكو للتخطيط الحضري» اعتبارًا من 11 مايو/أيار، حيث من المقرر تنظيم سلسلة من الفعاليات في مواقع مختلفة من مدينة باكو. وسيجمع الحدث ممثلي المؤسسات الحكومية، وخبراء التخطيط الحضري، والأوساط الأكاديمية، والشخصيات الثقافية، والشباب. كما ستُنظم خلال الأسبوع مؤتمرات، وحلقات نقاش، وبرامج ابتكارية، وجولات موضوعية، وفعاليات فنية متنوعة.
وأُفيد بأن الهدف من المشروع هو ربط النقاشات العالمية حول التخطيط الحضري بالبيئة الحضرية الفريدة لمدينة باكو، وتشجيع المشاركة المجتمعية. وستشمل الفعاليات مواقع تاريخية، ونماذج من التراث الثقافي، ومناطق تُطبق فيها أحدث الحلول العمرانية الحديثة. ويُذكر أنه في اليوم الأول من هذه الفعاليات، تم تنظيم نشاطين في الهواء الطلق وسط العاصمة، وذلك عبر وكالة دعم المنظمات غير الحكومية.
إن مشاركة المنظمات غير الحكومية الأذربيجانية تؤدي أيضًا دورًا مهمًا كجسر يربط بين المجتمعات المحلية والدولية، وتُسهم في تبادل الحلول العملية المتعلقة بالتنمية المستدامة للمدن. كما أن المشاركة الفاعلة للمنظمات غير الحكومية المحلية والأجنبية تجعل من WUF13 أكثر من مجرد منصة حكومية دولية، إذ تحوله إلى منصة متعددة المستويات للتعاون وتبادل المعرفة والخبرات. ويُعد هذا أول مشروع واسع النطاق من نوعه في العالم التركي في مجال التحضر والتخطيط الحضري.
وستوفر حلقات النقاش، والمعارض، والموائد المستديرة التي ستُنظم ضمن إطار المنتدى فرصة لعرض أحدث المقاربات المبتكرة المتعلقة بالتنمية المستدامة للمدن، والشمول الاجتماعي، وقضايا التحضر. كما أن مشاركة المنظمات غير الحكومية المحلية والدولية ستعزز من الأهمية العملية والعالمية لهذه النقاشات.
وبشكل عام، فإن استضافة باكو لمنتدى WUF13 في عام 2026، إلى جانب إعلان العام نفسه «عام التخطيط العمراني والعمارة»، يُمثلان مبادرتين استراتيجيتين متكاملتين. فهاتان المناسبتان تعززان طموحات أذربيجان في ترسيخ مكانتها الريادية إقليميًا وعالميًا في مجالي التخطيط الحضري والهندسة المعمارية. وفي هذا السياق، لا تبرز باكو بوصفها مدينة مضيفة فحسب، بل أيضًا كنموذج ناجح للتمدن الحديث والتنمية الحضرية المعاصرة.


