عرب
حياة قصيرة

بقلم: عهد الهلالي
كانت حياتي روتينًا رهيبًا فيها ..أعيش على انتظار الموت ،الأحداث التي يطلقون عليها ألقابًا مرعبة ،باتت من الأنشطة الرتيبة ..فقدت المشاعر خلالها
صوت القذائف ،طلقات الرصاص ،اندلاع النيران ،خوف الناس ،فزع وجوههم ،صراخهم ،بكاءهم وأعضاءهم المتناثرة ،لقد بدى كل شيء مألوفًا وليس إلا شريط يتكرر في كل لحظة ألف مرة ،وبرغم بشاعة المناظر إلا أنه لا شيء أرعبني ،بعد يوم شاق أضطجع على ملاءة ممزقة بالكاد تكفي طولي ،وتحت رأسي شيء يشبه الكيس محشو بالريش يعوض نقص الوسادة وأنا ممتنة لوجوده ،أغمض عيني والدنيا في الخارج ترقص.. ولكن على نغمات الموت!
الطائرات تمشط السماء من فوق المنازل ذهابًا وإيابًا ،صوتها كتهويدة نوم وكمنبه استيقاظ ..
وأنا في غمرة ذلك أنتظر سقف منزلي ليهبط على جسدي النحيل ويردمني ،كل ذلك أنتظر وقوعه من دون أن يرف لي جفن .
ذات مرة ..
وقد غططت بنومٍ شبه عميق ،هز انفجار مقذوف أركان منزل جيراننا ،ولأن الأرض واحدة.. بطبيعة الحال اهتزت أركان منزلي كذلك وتضررت الجهة الملاصقة لسور منزل الجيران .
ارتديت وشاحًا أتركه دائمًا بجانبي لأستتر به ،وخرجت مسرعة بلا حذاء .. فمن الذي يفكر بما يعزل قدميه عن تراب وحجارة الأرض وسط كل هذه الأحداث!
لقد خرجت فزعة أتفقدُ الجيران ،هكذا نحن البشر ندّعي القوة وعند أول منعطف على محك الحياة نتحول لجبناء .. لم أجد منزلًا ..لم أجد سوى الأنقاض وأشجارًا كانت تُمثل الحديقة لكنّها أصبحت رماد!
بدأت أنادي بأسمائهم ،أبحث عن شيء ،ربما معالم حياة .
تجمع رجال الحي يحاولون حمل الركام فلم يبق سقف ولا نافذة ولا مصباح ،كل شيء أصبح كالأحجار متفاوتة الأحجام بدأوا بالبحث عن الجثث وربما وإن كان هناك معجزة ..الأحياء، الرجال يكبّرون والنساء يكبرن ويندبن ، وأنا ..
وأنا كالمجنونة في ذهولي أقلب أي شيء حتى وإن لم يسع طاقتي أحاول بكل ألم ..أحاول رفع أي شيء تقع عيني عليه ،مضت الساعات والعالم مشتعلة من حولي ،نبحث عن طرف يد ضائعة ..رجل مبتورة ..رأس وحيد
ولكن ما اتضح لنا أن العائلة استُشهدت ولم ينجُ إلا سناء .
الناجية الوحيدة بجراح بالغة ..التهمت معظم جسدها وتركت لها القليل ،وهي التي حملت روحًا أخرى بداخلها ..
روحاً لم تنفك يومًا تحدثني عنها وكيف أنّها متلهفة لاحتضانها بين ذراعيها .
نُقلت للمشفى وأثناء ذلك بدأت بوادر الولادة ..
سناء ستضع!!! برغم كل هذه الأحداث ستضع ..يا للقسوة يا لحظك يا سناء!
دعوت ..يا إلهي أعنها على هذا الابتلاء …
كانت تُفيق وتصرخ ثم تروح في شبه غيبوبة ،مخاضها بدأ يشتد ،وولادتها حتمية فلم يكن هناك خيار آخر ،إما أن تلد الآن أو تموت والجنين معًا ،وهي بين الجحيم والجحيم كانت تصرخ
من بين دموعها:
أنقذوا طفلي ..
الطريق وعرة والمشفى بعيدة والقصف مستمر ،يزمجر في كل لحظة هدوء ..كأسد شرس لا تُشبعه ضحية واحدة بريئة .
وسناء المسكينة تتعذب لحد أنّها في الأخير قد صمتت تمامًا ، ولدت صبيًا أوصتني به ..ثم غادرت!
حلقت روحها عندما أنجبت روحًا أخرى ،هذه الحياة اليائسة المعقودة ما بين ولادة حياة وموت أخرى ..
أشبعت قلبي قهرًا وغضبًا ،لقد كنت أصرخ بداخلي وعينَي اللتين حملقتا بذاك الصبي المسكين الذي كان يبكي ..أغرورقتُ بالدموع حتى حجبت عنّي الرؤيا ،لففته من بين كل ذلك الحزن المنهمر في عيني بخرقة بيضاء .. لقد كان صغيرًا جدًا وجسده ينتفض من شدة البكاء ،لم يعرف أن وطنه يهتز مثله ..وبسبب الجهل وفقدان الإنسانية ستتداعى آخر الجدران الصلبة وسيسقط الوطن من خريطة العالم ..ضممت الصغير لصدري وأنا أُتمتم :
جئت باكرًا يا صغيري ،وُلدت في عام الحرب والموت …
لم تشهد الليل بسكونه والصباح بإشراقه ،ولا الفصول الأربعة ..لم تأتِ في زمن العلم والحركة التطورية ،حظك لم يبتسم لك منذ مصافحة الدنيا ليديك ،فوالديك قد استُشهدا .
السماء
إلهي السماء بدأت تنزف ،تُمطر ولكن هذه المرة ليس نيرانًا بل مطر من عند الله ،كأنّها تريد أن تغسل الأراضي المختضبة بدماء الأبرياء ..حدث ذلك ثم بدأ الصبي يتنفس بصعوبة ،فور ارتطام أول قطرات رحيمة بسيارة الإسعاف والتصاقها بالنوافذ ،
صرخت وأنا أحضنه بقوة أكثر ..
وكأنّي أحاول أن أمنع روحه
من العبور خارج جسده الضئيل
ولكن الموت كان قريبًا منّا ،
جاء ليأخذ روحه الطاهرة لترافق أمه
آخ يا لذلك الصغير !!
يا للبؤس لقد وُلد ومات بين قصف ومطر!



