100 عام على أقدم ديمقراطيات الشرق المسلم

أبو بكر أبو المجد 

حين تعلن عجلة دوران الزمن أن اليوم هو 28 من مايو 2018، يكون ذلك بمثابة إعلان الاحتفال التاريخي والخاص بمرور 100 عام على أول ديمقراطية في الشرق.. جمهورية أّذربيجان الديمقراطية.

فقد دفعت الفوضى التي عمت الإمبراطورية الروسية عقب الثورة البلشفية في أكتوبر عام 1917، وحملات القتل على العرق، وجرائم و تدمير المنازل والمعالم المعمارية والمدارس والمستشفيات والمساجد، شعب أذربيحان إلى اتخاذ قراره بضرورة استعادة دولته.

وبتاريخ 28 مايو 1918، عقد المجلس الوطني الإسلامي (الحكومة المؤقتة) برئاسة فتلي خان خويسكي جلسته في تيفليس ( المعروفة حاليا باسم تبليسي – عاصمة جورجيا) بسبب احتلال مدينة باكو من قبل القوات المسلحة الداشناكية والروسية، وتم اعتماد إعلان الاستقلال، وأعلن إنشاء جمهورية أذربيجان الديمقراطية المستقلة في جنوب وجنوب شرق القوقاز،

وتألف الإعلان من ستة فقرات، حيث أنه أصبح أول قانون دستوري في تاريخ أذربيجان،  فضلا عن تأكيد الدولة الأذربيجانية كجمهورية ديمقراطية.

وفي 16يونيو 1918 تم نقل المجلس الوطني ومجلس الوزراء لجمهورية أذربيجان الديمقراطية إلى مدينة جانجا ( ثاني أكبر مدن في أذربيجان)، وكان الهدف الرئيسي للحكومة هو تحرير باكو والمدن الأخرى في أذربيجان، التي كانت تحت سيطرة الأرمن والبلشفية.

وفي 5 أبريل 1918، دخل جيش القوقاز الإسلامي الذي أنشئ في جانجا معركة ضارية مع 20 ألف من جنود باكو السوفيتيين، وتقدموا نحو باكو وحرروا المدينة تلو الأخرى.

وفي 15 سبتمبر 1918 تم تحرير باكو وسقط مئات الجنود الأّذريين في هذه المعركة، وانتقلت عاصمة جمهورية أذربيجان الديمقراطية من جانجا إلى باكو في 16نوفمبر 1918، واستأنف المجلس الوطني لأذربيجان مهامه.

بعد انتقال العاصمة إلى باكو، استأنف المجلس الوطني لأذربيجان مهامه، وفي 7 ديسمبر 1918 عقدت الجلسة الافتتاحية للبرلمان، وكان ذلك أول برلمان على الإطلاق يشُكل على أساس المبادئ الديمقراطية الكاملة في ذلك الوقت في العالم الإسلامي بأسره ومنطقة الشرق، وشمل البرلمان ممثلين عن المجموعات العرقية الرئيسية التي تسكن البلاد.

حققت جمهورية أذربيجان المستقلة حديثًا إنجازات عظيمة خلال فترة تحررها القصيرة، فلأول مرة أعطي للنساء الحق في الانتخاب، وتم تنظيم الجيش الوطني وإصدار العملة الوطنية، واعترف المجتمع الدولي رسميًا باستقلال أذربيجان، وهو ما برهن سريعًا على قدرة الشعب الأذري على بناء دولة مدنية مستقلة.

كانت نشأة جمهورية أذربيجان الشعبية مؤشرًا على مستوى وعي مواطنيها السياسي الكبير، وإمكانياتهم الفكرية والسياسية، وقد قام علي مردان بك توبجوباشوف، ومحمد أمين رسول زاده، وفتالي خان خويسكي، وحسن بك أغاييف، ونسيب بك يوسفبكلي، وصمد بك محمانداروف، وعلي آغا شيخلينسكي والآخرون الذين ترأسوا الجمهورية بتقديم خدمات كبيرة من أجل تأسيس هذه الجمهورية الشعبية العصرية.

كانت جمهورية أذربيجان الشعبية مثالا للدولة الجديدة والمجتمع الحديث الذي يجمع بين القيم الديمقراطية الأوروبية وخصائص الحضارة الشرقية. وعلى الرغم من أن الجمهورية الوليدة لم تصمد سوى 23 شهرًا؛ غير أنها ظلت النموذج والمثل والنبراس للأمل في تأسيس أذربيجان الحديثة.

فعلى الرغم من عدم توفر الخبرة الكافية في مجال الحكم، فقد تمكنت قيادة جمهورية أذربيجان الديمقراطية من إنشاء حكومة تعمل بشكل جيد، واستطاعت تأسيس علاقات مع أكثر من عشرين دولة منها الولايات المتحدة الأمريكية، بلجيكا، هولندا، اليونان، تركيا، ايطاليا، فرنسا، سويسرا، المملكة المتحدة وبولندا.

وفي 24 يونيو 1919 اعتمدت الحكومة علم وطني بهلال أبيض والنجمة ثمانية الأطراف وخلفية بثلاثة خطوط أفقية، وفي 26 يونيو بدأت الحكومة الأذربيجانية إنشاء القوات المسلحة، واكتملت عملية بناء الجيش بحلول 30 يناير لتشمل 30 ألف مشاة و 10 ألاف من قوات الفرسان.

وأنشأت الحكومة لجنة تحقيق استثنائية للتحقيق في أعمال الإبادة الجماعية التي ارتكبت في أذربيجان، وتم اعتماد الرموز الرسمية للبلاد وتبني القواعد الأساسية للحصول على الجنسية الأذربيجانية، واعترفت بحق المساواة بين الرجل والمرأة، وتم أيضا تأكيد الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.

وكان التعليم من بين الاهتمامات الرئيسية للحكومة، حيث تحولت أغلب المدارس تقريبًا للتدريس باللغة الأذربيجانية التي أصبحت إلزامية.

ومن الخطوات الأساسية المهمة أيضا تأسيس جامعه باكو بتاريخ 10 سبتمبر 1919، حيث تم افتتاح عدد من المدارس وتلقى العديد من الطلاب منحًا للدراسة في جامعات أوروبية رائدة.

وأصبح إنشاء دائرة للاستئناف والمخابرات من الركائز الأساسية لعملية بناء الدولة، كما تم استعادة خط أنابيب النفط باكو-باتوم في عام 1919 ، وأصدرت الحكومة مرسومًا بشأن التجارة الحرة وتم إحياء الأسطول التجاري، وتم أنشاء أسطول بحر قزوين من أذربيجان في صيف عام 1919.
واستمر الوضع إلى أن استعادت أذربيجان استقلالها بعد 71 سنة، وتم نصب العلم الثلاثي الخطوط بالهلال الأبيض والنجمة ثمانية الأطراف لجمهورية أذربيجان الديمقراطية مره أخرى.

والآن تنعم أذربيجان الجديدة بالأمن والاستقرار والعلاقات المتوازنة مع جيرانها وكل دول العالم عدا أرمينيا المغتصبة لخمس أراضيها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق